مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2020 … الخطوة قبل الأخيرة للقضاء على الدولة الوطنية

اختارت حكومة المشيشي اتباع استراتيجية الصدمة للإعلان عن مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2020 وقانون المالية لسنة 2021 لتمهيد الطريق أمام سياسة الأمر الواقع وقبول الشعب التونسي بما ستقدم عليه الحكومة من إجراءات وخيارات لا وطنية تندرج في اطار برنامج تفكيك الدولة الوطنية الذي انخرطت فيه تونس منذ ماي 2011 تاريخ انعقاد قمة “دوفيل” لمجموعة السبعة لاحتواء ما يسمى بثورات الربيع العربي والقبول بإصلاحات صندوق النقد الدولي التي تتقاطع مع “شراكة دوفيل” وقرارات البرلمان الأوروبي الصادرة بتاريخ 14 سبتمبر 2016.

الجديد في السيناريو الذي أعدته السلط التونسية، بتواطؤ مع الأطراف الخارجية، لتمرير مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2020 وقانون المالية لسنة 2021 هو توظيف جائحة كورونا لتسريع نسق إصلاحات مرفوضة من قبل القوى الوطنية في البلاد تخدم مصالح رأس المال العالمي والنظام النقدي العالمي بما لا يترك أي خيار لرفض جرعات سم ستقضي على ما تبقى من مقومات الدولة الوطنية.

ومرة أخرى انتهجت وزارة المالية، لإعداد المشروعين، مقاربة مالية جافة بعيدة عن رؤية استشرافية تنموية اجتماعية تقوم على منوال تنمية يخدم استحقاقات مرحلة طالما انتظرها الشعب التونسي لجني ثمار تضحيات يبدو أنها ستتعمق أكثر خلال ما تبقى من هذه السنة والسنة القادمة بالتزام الحكومة باتباع سياسة تقشف أتت على ميزانيات التنمية في كل ميزانيات الدولة للسنوات العشر الأخيرة وتتجه الان نحو القضاء على أبواب ميزانية التصرف التي تشمل كتلة الأجور واعتمادات الدعم لتتحول ميزانية الدولة الى أداة لضبط وتسديد خدمة الدين الخارجي، وأداة لتفقير الشعب وتدمير مقومات دولته الوطنية.

ومرة أخرى لا يخلو المشروعان من تناقضات تعكس إصرار المكلفين بالإعداد والصياغة على استبلاه الرأي العام الوطني والسلطة التشريعية الى جانب الإصرار على تضخيم الميزانية واعتماد فرضيات بعيدة عن الواقع وعن حقيقة المؤشرات الداخلية وتلك في علاقة مع الاسواق العالمية.

فخلال العشر سنوات الأخيرة، لم تفلح، أو لنقل تعمدت، وزارة المالية أو الجهات التي تعد وتصيغ مشاريع قوانين المالية ضبط نسب نمو للناتج المحلي الإجمالي غير قابلة للتحقيق حيث تسارع الوزارة وفي إطار مشاريع قوانين مالية تكميلية الى مراجعة هذه النسب نحو التخفيض بما يفترض مراجعة كل التقديرات والتوجهات والبرامج ليترجم ذلك الى خسائر يتكبدها الاقتصاد الوطني ويؤدي الى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، بعيدا عن المساءلة والمحاسبة بما يضمن عدم التكرار، وأيضا حق المواطن في قانون مالية دقيق يخدم أولويات التنمية.

ولئن استطاعت وزارة المالية، والسلطة التنفيذية بصفة عامة، بتواطؤ مع السلطة التشريعية خلال العشر سنوات الأخيرة مغالطة الرأي العام الوطني وتمرير قوانين مالية تصيغها على مقاس الجهات المانحة، فانه يبدو أن موازين القوى الجديدة اليوم في السلطة التشريعية ستسمح بالمطالبة بإجراء تدقيق في مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2020 وقانون المالية لسنة 2021 والتأكد من أوجه صرف ميزانية سنة 2020 والمعايير التي اعتمدت لإفراز نسبة عجز لميزانية الدولة هذه السنة في حدود 14 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة نمو سلبية للناتج المحلي الإجمالي في حدود 7.3 بالمائة مقابل تسجيل نسبة نمو إيجابية السنة المقبلة في حدود 4 بالمائة.

ولئن فرض على المواطن التونسي قبول المغالطات السابقة في تحديد نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، باعتبار أن هامش الخطأ كان ضعيفا نسبيا، فان مصادقة مجلس نواب الشعب اليوم على مشروع قانون المالية لسنة 2021 هو انتهاك لذكاء التونسي ولحقوقه الاقتصادية والاجتماعية.

فقد اتضح اليوم أن قوانين المالية التي يفترض أن تكون أداة تنفيذية لميزانية الدولة التي تترجم ما يضعه الميزان الاقتصادي من برامج سنوية تستند الى ما يبرمج في مخططات التنمية الخماسية، تحولت الى أداة تنفيذية للمشروع الأوروبي في البلاد عبر برامج الإصلاحات الكبرى لصندوق النقد الدولي وبقية الممولين الدوليين.

وعلى غرار الحكومات السابقة، وقبل تمرير مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2020 وقانون المالية لسنة 2021 الى مجلس نواب الشعب وتعرف الشعب التونسي على بعض التفاصيل، كان المشروعان محل نظر الممولين الدوليين في إطار ما يسمى بالمتابعة الدورية لبرنامج دعم الميزانية المشترك.

في هذا الإطار كان لوزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار ومنذ يوم 17 سبتمبر 2020 الى غاية 5 أكتوبر 2020، أي قبل تاريخ 16 أكتوبر موعد تحويل المشروعين الى مجلس النواب، لقاءات وجلسات عمل مع مدير البنك العالمي بتونس (17 سبتمبر)، والقائمة بالأعمال بسفارة فرنسا بتونس التي رافقها المدير الجديد لمكتب الوكالة الفرنسية للتنمية (17 سبتمبر)، وسفير الولايات المتحدة الأمريكية بتونس (21 سبتمبر)، ومدير مكتب البنك الأوروبي لإعادة الاعمار والتنمية بتونس (24 سبتمبر)، ومدير مكتب صندوق النقد الدولي بتونس ( 28 سبتمبر).

كما كانت للوزير جلسة عمل يوم 5 أكتوبر2020 مع ممثلي عدد من المؤسسات المالية المانحة بتونس منها البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والبنك الافريقي للتنمية، والوكالة الفرنسية للتنمية، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، والبنك الألماني للتنمية. وقد جاء في بلاغ الوزارة أن الاجتماع تعرض الى مدى التقدم في تنفيذ برامج التعاون المالي لسنة 2020 وخطة العمل للسنة القادمة 2021 وما يتطلبه من تنسيق بين الحكومة التونسية والجهات المانحة.

ان المسار الذي تتبعه مشاريع قوانين المالية في تونس في عهد الانتقال الديمقراطي يكشف عن حقيقة دور السلطة التشريعية، كإحدى اليات الممارسة الديمقراطية، ليتحول النقاش سواء في مستوى لجنة المالية أو الجلسة العامة، بحضور السلطة التنفيذية، الى مسرحية بإخراج “هوليودي” يتابعها الراي العام الوطني ووسائل الاعلام كمهزلة سيسجلها التاريخ في باب “تفكيك الدولة الوطنية: تونس نموذجا”.

 

بقلم جنات بن عبد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *